فيلم “ابن القنصل” متعة سينمائية في بساطة درامية

عنوان 148 من 348

عمار جمهور/ القدس

 

تدور فكرة الفيلم حول شخصية تعرف بقدرتها المتميزة على تزوير الوثائق والمستندات من “شيكات، وتأشيرات، ووثائق ملكية، وغيرها”، وتلقب بـ”ابن القنصل” ويقوم بهذا الدور الفنان خالد صالح، الذي يسجن لمدة طويلة ثم يطلق سراحه من السجن قبل انتهاء مدة محكومتيه، وذلك بسبب حسن سلوكه داخل السجن.
يحاول شخص متدين التقرب من القنصل، ويساعده حال خروجه من السجن، مدعياً أنه ابنه “ابن القنصل” حيث يقوم بالدور الفنان أحمد السقا، الذي يرسم خطة لإقناع القنصل بصدق روايته، وكذلك بحسن خلقه ودينه، و يخدعه مستعينا بفتاة تقوم بدورها “غادة عادل” تدعي أنها فتاة ليل، وذلك بهدف الوصول إلى المكان الذي خبأ فيه “صفائح الذهب” قبل أن يسجن.
شخصية ابن القنصل الذي يجسدها أحمد السقا تعبر عن شخصية طفل كان والده شريكاً للقنصل، ولكن الأخير أنكر حقه بعد وفاته، فيعمل ابن القنصل على استرداد حق والده بالتعاون مع عشيقة القنصل الذي جسدت دورها الفنانة سوسن بدر، وابنتها “غادة عادل” زوجة ابن القنصل.
امتاز الفيلم بحبكة درامية بسيطة الفكرة، صيغت في أداء سينمائي مقنع، وتمكن الحبكة السينمائية من تحقيق عنصر المفاجأة للمشاهد بطريقة يصعب التكهن بها فزادت من قدرة الفيلم على الإقناع، فالخيارات تفتح أبوابها تجاه نهاية محددة للفيلم، وذلك لكونها بسيطة ومكررة بشكل أو بآخر ومستنسخة عن فيلم “حرب إيطاليا”. غير أن الخاتمة تشكل عنصر مباغتة يصعب التكهن بها.
أداء الفنانين ولا سيما خالد صالح وأحمد السقاء تميز بالقدرة المذهلة على الإقناع واستقطاب ذهن المشاهد خلال فترة الفيلم كاملة، والسيطرة على مخيلته التأملية والتصويرية، وكأن ذهن المشاهد لا يستطيع أن يتخيل سوى ما يرى من تفاصيل القصة.
امتاز الفيلم ببساطته وخفة ظل فكرته، وجمالية حيلته، وباعتقادي فقد شكلت المادة السينمائية أُنموذجاً فريداً في السينما المصرية، وأضافت رصيداً للفنان المتألق “أحمد السقا”، وكذلك للفنان “خالد صالح”. واستطاعت الحبكة الدرامية بتفصيلاتها وعموميتها أن تكون قوة خفية ساهمت في خلق علاقة مشتركة ومتينة مع المشاهد على مدار مدة عرض الفيلم، وذلك بفعل الإقناع الدرامي الذي انساب مع المتلقي إلى ذروة الميلودراما، والتي نجحت في جلب تعاطف المشاهد مع كلتا الشخصيتين المتناقضين والإعجاب بهما على حدٍ سواء، حيث نما التصاعد الدرامي مع كلتا الشخصيتين ومع المتلقي بقدر متساوٍ إلى أن وصلت بالمشاهد إلى النشوة الجمالية في الأداء السينمائي، خلقت في وعي المشاهد صوره جعلته يشكل بذائقته الحسية عنصراً من عناصر هذا العمل.
تميز الفيلم في قدرة الشخصيات الرئيسة والثانوية في العمل بشكل متواز، وبغض النظر عن عدد المشاهد ومدتها في جذب انتباه المشاهد، فقوة الظهور اللحظية للشخصيات الثانوية في عدد معين من المشاهد أضفت على العمل رونقاً مميزاً، ووظفت في مكانها بشكل محدد دون أن تفرض نفسها على سياق العمل وجوهره، بل على العكس تماماً كانت إحدى ميزاته الإيجابية.
الشكل السينمائي المتألق في هذا الفيلم قد عانى من خلل في تفاصيل افتراضية قد تؤثر على السياق الدرامي، فمثلاً الفترة الزمنية التي اختارها “عصام” للبدء بالتقرب من القنصل في الستة الأشهر الأخيرة من مدة محكوميته غير مبررة، فما الذي كان سيفعله “عصام” لو لم يخرج “القنصل” قبل قضاءه لكامل مدة محكوميته؟ وما هي السيناريوهات الأخرى المحتملة؟ فهل كان “عصام” سينتظره عشرات السنين ليسترد حقه؟ وكيف ستكون المعالجة الدرامية لو توفي “القنصل” داخل السجن؟.
ومع ذلك، فإن هذا الفيلم للفنان أحمد السقا، والذي عرض قبل عام تقريباً، نال بجدارة الاستحسان والرضا من قبل المشاهدين والنقاد على حد سواء، على عكس فيلم “الديلر”، الذي عانى من فتور وهدوء درامي، وخلق حالة من التكرار ساهمت في تكوين مساحة واسعة من الملل لدى المشاهد قبل أن يصل به بفعل عدد من المؤثرات إلى عنصر النشوة الدرامية، كمان أن هدوء الأداء السينمائي ساهم في قتل جمالية المواقع التي تم تصوير الفيلم فيها.