الصورة السينمائية (2)

عنوان 267 من 348

قبل التوسع في الحديث عن التصوير ومدير التصوير السينمائي، لابد لنا من التطرق إلى الصورة نفسها، والحديث عن ماهية هذه الصورة السينمائية.. وجماليات الكادر السينمائي وتكوينه، ومدى قابلية المتلقي لاستقبال هذه الصورة بما تحويه من جماليات.

ففي كتابه (جاذبية الصورة السينمائية) (1)، يحدثنا الدكتور عقيل مهدي يوسف، عن مفهوم الصورة في السينما، ومفهوم المتلقي في تقبل هذه الصورة.. حيث يقول: ” قد يود الإنسان وهو ينظر إلى (صورة) تعجبه أن يلمسها، أو يتذوقها، أو يشمها أحياناً! فحواسنا تثار أمام تمثال من الكريستال مثلاً، وحين نلمس زجاجة الصقيل نرتاح لنعومته، وقد يذكرنا بـ (الثلج) فيمد أحدنا لسانه ليتأكد من درجة حرارته وأحياناً نشم (صور) الزهور في المجلات!!

في مثل هذه المواقف تحفزنا (الصور) حسياً، كما يحدث لنا يومياً في حياتنا الطبيعية، حين نلمس أكف البشر (الناعمة والخشنة)، وحين نتذوق طعم الفواكه، ونشم أريج الزهور. في السينما، يحاول المخرج أن ينقل إلى (المتفرج) هذا الإحساس، ولكن كيف يمكن أن يفعل ذلك؟ بالطبع، ليس أمامه سوى البحث عن كيفية صناعة (الصورة) السينمائية الجذابة.

إن صورة المركب في (بحر) والزورق في (نهر) الذي ننظر إليه يومياً، أو صورة الناس في الأسواق أو شروق الشمس وغروبها، أمور يومية، ولكن حين تجرب أن تصورها بـ (كاميرا) فوتوغرافية مثلاً، يتعين أن تقوم بإجراءات عديدة لإنجاح اللقطة الجيدة، وهذه هي المرحلة الأولى: في التمييز بين حواسنا الطبيعية وحواسنا الفنية التي تنقل لنا بواسطة (الصورة) مظاهر العالم حولنا. فكيف يمكن للمخرج السينمائي أن يقنع بفيلمه المئات والألوف المحتشدة من الناس، في موطنه وفي بلدان أجنبية؟!

كما نعرف أن (عين) المخرج، هي غير (عين) المصور، وهنا تقوم مرحلة ثانية: بين ما يريد المخرج تصويره، وبين فهم المصور لتلك (الصورة) المطلوبة، وبالتأكيد إن (الصورة) السمعية، لا تقل أهمية عن الصورة (البصرية) المرئية على الكاميرا، وهنا تكون مرحلة ثالثة: تنتقل فيها (صورة) هذا الفيلم الذي أنجزناه صورة وصوتاً، إلى مرحلة طبع الصورة في معمل التحميض، وكذلك تسجيل الصوت على (الشريط).

كما يتطرق الدكتور عقيل مهدي يوسف (1) إلى جاذبية الصورة السينمائية لدى المتلقي.. حيث يقول بأنها: “تنجز عبر مرحلتين: الأولى، هي التي يصب فيها “المخرج” كل طاقاته الإبداعية من أفكار وأساليب تقنية لكي تكون الصورة “الفيلمية” بمستواها الفني المرموق ونصوعها ودقة ألوانها وإشراقها. أما المرحلة الثانية، فهي أن يكون الجمهور حاضرا في ذهن المخرج، بمعنى آخر إن المونتاج حين يصوغ تصوراته بين حجم الفيلم وطوله وعمقه ومحتواه وإيقاعه، فانه يفرض تصورا مركزيا للصورة السينمائية واتجاهاتها في مخاطبة الآخر.
_________________________________________
(1) عقيل مهدي يوسف: جاذبية الصورة السينمائية، دار الكتاب الجديد المتحدة ـ بيروت 2001، الطبعة الأولى.